"العِهْن": المعنى والدلالة
العِهْن في اللغة العربية يعني الصوف المصبوغ، وقد استخدم في القرآن الكريم لتشبيه تفكك الجبال يوم القيامة، في تصوير ذهني بديع يعكس مدى عظمة التغيرات الكونية التي ستحدث في ذلك اليوم.
ورود كلمة "العِهْن" في القرآن الكريم
جاءت كلمة "العِهْن" في القرآن الكريم في موضعين، وكلاهما في سياق الحديث عن يوم القيامة وزلزلة الأرض وتغير نظام الكون:
1. في سورة المعارج:
"وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ" (المعارج: 9).
2. في سورة القارعة:
"وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ" (القارعة: 5).
التفسير اللغوي لكلمة "العِهْن"
العِهْن: الصوف المصبوغ ذو الألوان المختلفة.
المنفوش: الصوف المنتشر المتطاير، الذي يفقد تماسكه ويصبح بلا وزن.
التدبر في سياق ورود "العِهْن"
1. تشبيه الجبال بالعِهْن في سورة المعارج
"وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ"
هذا التشبيه يشير إلى أن الجبال، التي نراها اليوم قوية وصلبة وثابتة، ستتحول إلى مادة هشة وخفيفة يوم القيامة، وكأنها صوف بلا وزن أو تماسك.
الدروس المستفادة:
حتى الجبال، رمز الصلابة والثبات، ستنهار يوم القيامة، فما بال الإنسان وما يملكه من قوة؟
هذا المشهد يبعث الخوف والخشوع في القلب، ويدفع إلى التأمل في قدرة الله المطلقة.
2. تشبيه الجبال بالعِهْن المنفوش في سورة القارعة
"وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ"
هنا أضيفت صفة "المنفوش"، مما يوضح أن الجبال لن تكتفي بفقدان صلابتها، بل ستتفكك تمامًا وتتطاير كالغبار في الهواء.
الدروس المستفادة:
يوم القيامة سيشهد انهيارًا شاملًا لكل ما نعدّه ثابتًا في هذه الدنيا.
إضافة "المنفوش" تعكس مشهد التفكك الكامل والتلاشي التام للجبال.
الفرق بين الوصفين في المعارج والقارعة
في المعارج: قال "كَالْعِهْنِ" فقط، أي أن الجبال ستصبح مثل الصوف الهش.
في القارعة: قال "كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ", أي أن الجبال ستتفكك تمامًا وتنتشر كالغبار في الهواء.
إعجاز التعبير القرآني
سورة المعارج تتحدث عن يوم القيامة بشكل عام، فجاء الوصف أخف نسبيًا.
سورة القارعة تصور يوم القيامة بأهواله العظيمة، فجاء الوصف أكثر شدة وتفصيلًا.
التأمل في رسالة الآيات
هذه الآيات تذكرنا بأن كل ما هو ثابت في أعيننا، من جبال وأنظمة كونية، قد ينهار في لحظة واحدة بأمر الله.
إذا كانت الجبال ستتلاشى، فكيف بحال الإنسان يوم القيامة؟ وهل أعددنا العدة لهذا اليوم؟
خاطرة رمضانية
في رمضان، كما تذوب الجبال يوم القيامة، تذوب الذنوب بالصيام والتوبة!
تمامًا كما تتلاشى الجبال العظيمة يوم الحساب، فإن الكبرياء والغرور يجب أن يختفيا أمام عظمة الله.
ليكن رمضان محطة تأمل حقيقية: كما ستنتهي الدنيا بأهوالها، فهل أعددنا العدة لما بعدها؟
دعاء من وحي التدبر بهذه الآيات
اللهم يا من تمسك السماوات والأرض أن تزولا، ثبت قلوبنا على دينك كما ثبت الجبال في الدنيا، وهي الهشة التي ستتطاير كالصوف.
اللهم اجعلنا ممن يتعظون بآياتك، ويستعدون ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم كما أذبت الجبال يوم القيامة، فأذب عنا ذنوبنا، وطهر قلوبنا، وأكرمنا برحمتك ومغفرتك في هذا الشهر المبارك.
آمين يا رب العالمين.
-->