الرئيس ترامب يمثل الوجه الحقيقي للرأسمالية الغربية ولذا هو أكثر وضوح من غيره، وكل ما كنا نعرفه سابقاً عن الغرب لم يكن سوى واجهة زائفة للغرب خدعت الكثير من النخب وأقنعتهم بالانبهار بالمظاهر البرّاقة. لكن الواقع الذي وصلنا إليه اليوم يكشف زيف تلك الصورة، فلم نصبح جزءاً من الغرب كما كنا نأمل ولم تتحسن اقتصاديتنا ولا مجتمعتنا ولم يرضوا بنا أن نكن شركاء، ولم نحافظ على استقلاليتنا أو هويتنا كمجتمعات عربية ذات قيم وتاريخ مستقل. بدلاً من ذلك، فقدنا السيطرة على مواردنا ومصادر قوتنا وعدنا برغبتنا إلى صورة جديدة من الاستعمار، مغلفة بأقنعة وأدوات حديثة، تعيد إنتاج نفس الهيمنة القديمة بأساليب جديدة تجعل منا كشعوب عربية مجرد بضاعة دون معالم.
ما زال العالم العربي مع الاسف يدفع ثمن تفويت الفرص التي أتيحت له في الماضي للنهوص، ونجد أنفسنا مع مرور الأيام أكثر فأكثر مكبلين بتبعية مقيتة، حتى نصل في النهاية إلى أسواق النخاسة الاقتصادية، حيث نتحول إلى مجرد سلعة رخيصة أمام الرأسمالية المتوحشة التي لا ترحم.
حديثنا اليوم هو عن أن الإمارات تخطط لاستثمار أكثر من 1200 مليار دولار في الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية تنوي أيضاً ضخ 600 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي وهناك دول عربية أيضا لابد من ان تستثمر وتدفع وحتى وأن كان ربع هذه المبالغ، فاجدها أيضا كثيرة. هذه المبالغ الضخمة لو تم استثمارها داخل العالم العربي، لكانت كفيلة بأن تنقلنا إلى مستوى الدول المتقدمة مثل كوريا الجنوبية، خاصة وأن العالم العربي ليس أقل شأناً من قارة بأكملها ولدينا كل شيء أن نكن امة تذكر. تايوان بمساحة لاتتجاوز 36 ألف كم مربع اليوم صارت قوة اقتصادية مهيمنة لأنهم ادركوا أنه دون الاعتماد على الذات لن يجدوا أنفسهم ولا جزيرتهم بين من يترقب بها ليفترسها. تأيوان دخلها القومي تجاوز حاجز 800 مليار دولار وهي جزيرة صغيرة. دولة اليوم تحكم تقنية السيطرة على العالم من بوابة التكنولوجيا الفائقة. فلا ذكاء اصطناعي ولا ثورة صناعية دون تأيوان وهذا هو تفوقها وقدرها لتستمر.
هذه الأموال من منطقتنا العربية التي سوف تتجه إلى الغرب كانت قادرة على بناء أمة عربية مستقلة تماماً، تعتمد على نفسها بعيداً عن التبعية الخارجية والقلق وتوطن المعرفة والتقنية والانتاج. على الأقل، كان بإمكاننا أن نتحرر من ابتزاز الغرب والشرق حتى، وأن نصبح شركاء حقيقيين لهم بدلاً من أن نظل مجرد أتباع بلا فائدة حقيقية. إلا يكفى أن نصحى ونستثمر في أمتنا وأنه ماهو ممكن اليوم لن يكن ممكن غدا ولنا في تجارب الاخرين في النهوض أفضل امثلة.
-->