عالم بلا عدالة: كيف يساهم الصمت الدولي في تمادي إسرائيل؟

عبدالباري علاو
الخميس ، ٠٣ ابريل ٢٠٢٥ الساعة ١١:٣٥ مساءً

في عالم تُرسم سياساته بالدم، وتُحدد معالمه بالمجازر، تبدو مسألة الردع الأخلاقي أو القانوني بالنسبة لقادة مثل بنيامين نتنياهو ترفًا لا محل له في معادلة السلطة. فمنذ سنوات، يستغل رئيس الوزراء الإسرائيلي كل الثغرات الممكنة، سواء في المنظومة الدولية أو في الداخل الإسرائيلي، ليبقى متشبثًا بالحكم، غير آبهٍ بالقوانين الدولية أو الاعتبارات الإنسانية. والسؤال المطروح اليوم: لماذا يستمر نتنياهو في انتهاكاته دون أن يرتدع؟

 

بيئة دولية تُشجّع الجريمة

 

يعتمد نتنياهو في جرأته على عامل أساسي: الإفلات المستمر من العقاب. فمنذ عقود، ورغم الانتهاكات الموثقة التي ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين، لم يجد المجتمع الدولي آلية حقيقية لمحاسبتها. مجلس الأمن مشلول أمام الفيتو الأمريكي، والمحاكم الدولية تفتقر إلى القوة التنفيذية، فيما تبقى الإدانات الرسمية مجرد بيانات جوفاء لا تغير شيئًا في الواقع.

 

هذا المناخ من الحصانة المطلقة يجعل أي زعيم إسرائيلي يدرك أن حدود جرائمه لا ترسمها القوانين الدولية، بل فقط مدى القدرة العسكرية والسياسية لإسرائيل. طالما أن ميزان القوى مختل لصالحها، وطالما أن القوى الكبرى توفر لها الغطاء، فلماذا سيرتدع نتنياهو؟

 

السياسة الإسرائيلية: ثقافة اللاعقاب

 

منذ تأسيسها، تبنّت إسرائيل نهجًا قائمًا على فرض الأمر الواقع وتجاهل القرارات الدولية، وهي سياسة لم تقتصر على الحكومات، بل أصبحت جزءًا من العقيدة السياسية والأمنية الإسرائيلية.

 

لا يحتاج نتنياهو إلى تبرير أفعاله، فالتاريخ الإسرائيلي يثبت أن المجتمع الإسرائيلي يفضل "القائد القوي" على "القائد الأخلاقي". تزايد التطرف السياسي، وتراجع فرص التسوية، كلها عوامل تجعل أي رئيس وزراء يدرك أن مفتاح النجاح السياسي ليس احترام القانون، بل فرض الهيمنة.

 

الرأي العام الإسرائيلي: تحفيز الجريمة لا كبحها

 

يدرك نتنياهو أن التهديد الداخلي الأكبر له ليس من المجتمع الدولي، بل من الداخل الإسرائيلي، سواء عبر قضايا الفساد التي تلاحقه أو من المعارضة السياسية. لكن وسيلته للبقاء في السلطة ليست تقديم تنازلات، بل تصعيد الصراع. ففي إسرائيل، تُخاض الانتخابات على حساب دماء الفلسطينيين، ويُستخدم الاستيطان والعدوان العسكري كأدوات لتعزيز صورة القائد الحازم.

 

بالتالي، فإن العدوان على غزة، واقتحامات المسجد الأقصى، وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، ليست مجرد قرارات سياسية، بل أدوات يستخدمها نتنياهو لضمان ولاء اليمين الإسرائيلي، حتى لو كان الثمن آلاف الضحايا الأبرياء.

 

ما الذي قد يردعه؟

 

لن يرتدع نتنياهو إلا إذا شعر أن الكلفة السياسية والاقتصادية لجرائمه تفوق مكاسبه. وهذا يتطلب أحد أمرين:

 

1. تحول في الموقف الدولي: إذا فرضت عقوبات ملموسة على إسرائيل، أو تم تقييد دعمها العسكري والاقتصادي، أو أُحيل قادتها إلى محاكم دولية فعالة، عندها فقط يمكن أن يتغير الحساب السياسي لنتنياهو وبقية القادة الإسرائيليين. لكن طالما أن الدعم الغربي مستمر، فإن هذا الاحتمال يظل ضعيفًا.

 

2. تحولات داخل إسرائيل نفسها: إذا أدرك الإسرائيليون أن سياسات نتنياهو تقودهم إلى عزلة دولية أو تكاليف عسكرية باهظة، فقد يتغير المزاج السياسي. لكن هذا الخيار صعب، لأن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تقوم على مبدأ "الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع".

 

عدالة غائبة وعالم مأزوم

 

العالم اليوم لا يفشل فقط في ردع الجرائم، بل يساهم بصمته في شرعنتها. ما دام القانون يُستخدم فقط ضد الضعفاء، وما دام القوي يستطيع النجاة من أي عقوبة، فإن زعماء مثل نتنياهو سيواصلون جرائمهم دون خوف. في نهاية المطاف، المسألة ليست متعلقة فقط بإسرائيل، بل بمنظومة دولية تخلّت عن مفهوم العدالة، وحولت القانون إلى أداة انتقائية تُستخدم حسب المصالح، لا حسب المبادئ. إذا استمر هذا النهج، فما الذي سيمنع أي طاغية آخر من انتهاج المسار ذاته؟

-->
الحجر الصحفي في زمن الحوثي