خواطر رمضانية (25)– تدبر العبارات الغامضة في سياق القرآن الكريم –

د. علي العسلي
الثلاثاء ، ٢٥ مارس ٢٠٢٥ الساعة ٠٤:٢٧ صباحاً

 

القرآن الكريم: بيان معجز وتعبير متفرد

القرآن الكريم كتاب معجز في بيانه، متفرد في تعبيراته، يحمل في كل كلمة منه معاني عظيمة ودلالات عميقة تتجاوز الفهم السطحي للنصوص. قد تبدو بعض العبارات غامضة أو غير مألوفة، لكنها في الحقيقة تحمل صورًا بيانية بليغة وأسرارًا تدبرية عظيمة. نستعرض هنا بعض هذه العبارات ونتأمل في بلاغتها، ورسائلها، وعبرها.

1. "طلعها كأنه رؤوس الشياطين"

قال تعالى:

﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ . طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: 64-65]

وفي موضع آخر:

﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ . طَعَامُ الْأَثِيمِ . كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ . كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 43-46]

التأمل البلاغي والتدبري

استخدم القرآن التشبيه بـ "رؤوس الشياطين"، رغم أن الإنسان لم يرَ الشياطين من قبل، فلماذا؟

لأنه تشبيه مفزع، يرسم أقبح وأبشع صورة ذهنية ممكنة، مما يعزز قوة التعبير البلاغي. هو تفسير الغامض بالأغمض، مما يجعل تصور شجرة الزقوم أكثر رعبًا. فالآية تصور بشاعة هذا الطعام المرعب الذي يُقدَّم للأثيم، رغم عدم معرفتنا الحقيقية بشكله. ومثله طعام "الغسلين"، الذي لا يأكله إلا المجرمون، وهو صديد أهل النار وما يخرج من جلودهم وأجسادهم.

العبر والرسائل

تحذير شديد لأهل المعاصي من أن مأكلهم سيكون بشعًا في الشكل والمذاق.

إبراز قبح المعصية وعاقبتها، وتأكيد أن جمال الدنيا زائف، يظهر حقيقته بوضوح يوم القيامة.

2. "كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة"

قال تعالى:

﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ . كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ . فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: 49-51]

التأمل البلاغي والتدبري

يشبه القرآن حال الكفار الذين يفرون من سماع الحق وكأنهم حمير وحشية هربت من أسد مفترس.

"الحمر المستنفرة": ترمز إلى الغباء والخوف الشديد، فهذه الحيوانات تركض بلا وعي عند الإحساس بالخطر.

"قسورة": يُفسَّر بأنها الأسد أو الصياد، وفي الحالتين هو تهديد حقيقي للحمار الوحشي، مما يجعل التشبيه أكثر بلاغة.

العبر والرسائل

القرآن لا يصف فقط حال الكفار، بل يفضح حالتهم النفسية في صورة ساخرة تهز نفوسهم.

من يعرض عن الحق يكون كمن يهرب من النجاة إلى الهلاك.

3. "والسماء ذات الحبك"

قال تعالى:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات: 7]

التأمل البلاغي والتدبري

"الحبك" تحمل عدة معانٍ؛ فقد تعني الطرق، أو التموجات الجميلة كالنسيج، أو القوة والإحكام.

هذه الكلمة تختصر إعجاز الكون، فالسماوات مترابطة كنسيج متقن، مما ينسجم مع الاكتشافات الحديثة حول "نسيج الكون".

العبر والرسائل

تذكير بعظمة خلق الله واتساقه، وأن السماوات لم تُخلق عبثًا بل بحكمة ونظام.

الدعوة إلى التأمل في الكون كمفتاح لمعرفة الله واليقين بقدرته.

4. "فلما أضاءت ما حوله، ذهب الله بنورهم"

قال تعالى:

﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: 17]

التأمل البلاغي والتدبري

المثل هنا للمنافقين، فهم كمن أشعل نارًا في ظلام ليهتدي بها، لكنها انطفأت فجأة، فظل في ظلام أشد.

"ذهب الله بنورهم" وليس بنارهم، لأنهم فقدوا الإرشاد لا العذاب، فبقيت لهم نار الحيرة والعذاب.

العبر والرسائل

النفاق كالنور المؤقت، يعطي أملًا كاذبًا ثم ينطفئ تاركًا صاحبه في ظلام أشد.

ضرورة الصدق في الإيمان، لأن النفاق يُفضَح في النهاية ويترك الإنسان بلا نور يهديه.

5. "وفتحت السماء فكانت أبوابًا"

قال تعالى:

﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: 19]

التأمل البلاغي والتدبري

الصورة هنا مرعبة، فالسماوات التي نعرفها ستتفكك يوم القيامة كأنها تتحول إلى أبواب مفتوحة بلا سقف يحمي.

التعبير بـ "أبواب" يوحي بأن الأمر محسوم، فالباب يُفتح للدخول والخروج، أي أن النهاية قد وقعت.

العبر والرسائل

مشهد يوم القيامة ليس مجرد خراب، بل تغيير جذري في الكون كله.

التأمل في هذا المشهد يحث الإنسان على العمل لآخرته قبل أن تفاجئه الحقيقة الكبرى.

ختامًا

هذه العبارات وغيرها ليست مجرد ألفاظ، بل هي صور حية تنقل مشاهد ورسائل وعبرًا لمن يتدبرها. البلاغة القرآنية لا تقتصر على الإعجاز اللغوي، بل تمتد إلى التأثير النفسي، وإثارة المشاعر، وتحريك العقول نحو التفكير العميق.

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]

دعاء رمضاني مستوحى من التشبيهات القرآنية العميقة

اللهم يا من خلقت السماوات ذات الحبك بإحكام، ويا من جعلت طلع الزقوم كرؤوس الشياطين تخويفًا لعبادك، ويا من فتحت السماء فجعلتها أبوابًا يوم الفصل العظيم، نسألك في هذا الشهر المبارك أن تفتح لنا أبواب رحمتك، وأن تبعدنا عن ظلمات النفاق، وأن تجعل نور هدايتنا ضياءً دائمًا.

اللهم اجعل قلوبنا لا تهرب من ذكرك كما تهرب الحمر المستنفرة، وارزقها الطمأنينة والإيمان الخالص. اللهم تقبل صيامنا وقيامنا، واغفر لنا ذنوبنا، وألحقنا برحمتك بأهل الفضل والإحسان.

اللهم آمين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-->
الحجر الصحفي في زمن الحوثي