الخاطرة الـ (30) – تدبر في الآية (61) من سورة النور

د. علي العسلي
الاربعاء ، ٠٢ ابريل ٢٠٢٥ الساعة ٠١:١٩ مساءً

 

في البدء، عيد سعيد، وتهانينا للجميع بمقدمه...

 

تأملات في الآية (61) من سورة النور

 

في هذه الآية المباركة، يرفع الله الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض فيما يتعلق بالأكل، ويوسّع الرخصة لتشمل بيوت الأقارب والأصدقاء، بما في ذلك بيوت الآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، وحتى بيت الصديق.

 

لكن من اللافت للنظر أن الآية لم تذكر "بيوت الأبناء"، فما الحكمة من ذلك؟

 

حكمة عدم ذكر بيوت الأبناء

 

1. الابن امتداد لأبيه وليس العكس

 

إذ إن البيت يكون في الغالب ملكًا للأب، وعندما ينفصل الابن في بيت مستقل، فمن باب البرّ أن يكون بيته مفتوحًا لوالديه دون حاجة إلى نص خاص.

(والبرّ في روح القرآن يعني الخير المطلق والتقوى والإحسان في القول والعمل، ويشمل برّ الوالدين، والإحسان إلى الناس، والصدق في المعاملة، والالتزام بالقيم الأخلاقية والعبادات. وقد ورد في قوله تعالى: "لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..." (البقرة: 177)، مما يدل على أن البر ليس مجرد طقوس، بل هو سلوك يشمل الإيمان والعمل الصالح).

 

2. الفطرة السليمة والعرف الاجتماعي

 

من المألوف أن يكون للأب حق طبيعي في بيت ابنه، بينما العكس قد يكون مشروطًا باعتبارات الاستقلال الأسري.

 

3. ترسيخ مبدأ المسؤولية والقيادة الأسرية

 

فالأب هو قائد الأسرة والمسؤول عنها، وعند استقلال الابن، يصبح بيته له خصوصيته، لكن يبقى على الأبناء واجب البرّ والرعاية لوالديهم.

 

4. السياق متعلق بالاستئذان في الأكل عند الحاجة

فالآية تخفف الحرج عن الأكل من بيوت معينة، أما الوالدان فليس عليهم حرج في بيوت أبنائهم لأن ذلك حق أصيل لهم.

 

5. إشارة غير مباشرة إلى واجب الأبناء تجاه والديهم

 

إذ يُفترض أن يقوم الأبناء بخدمة والديهم وتوفير حاجاتهم دون انتظار إذن أو رخصة.

 

 

 

الدروس المستفادة من الآية

 

1. الإسلام دين اليسر

 

تبرز روح التيسير والتكافل الاجتماعي في الإسلام.

 

2. العلاقات الأسرية قائمة على التكافل والاحترام

 

ذكر بيوت الأقارب والأصدقاء يؤكد أهمية الترابط الأسري مع مراعاة الحدود الشرعية.

 

3. ضرورة حفظ خصوصية البيوت وآداب الاستئذان

 

رغم الإباحة، ختمت الآية بالتذكير بإلقاء السلام عند الدخول، مما يعزز الخصوصية والاحترام.

 

4. تعزيز قيمة الصداقة الحقيقية

 

إدراج "بيت الصديق" ضمن البيوت المسموح بالأكل فيها يدلّ على عمق علاقة الصداقة في الإسلام، إذ تصبح الصداقة امتدادًا للعائلة.

 

5. تشجيع التكافل الاجتماعي والاقتصادي

 

رفع الحرج عن الأكل من بيوت الأقارب يشجع على التعاون والتآزر الاجتماعي.

 

 

 

ختامًا.. تأملات رمضانية

 

في هذا الشهر المبارك، حيث تجتمع الأسر على موائد الإفطار، تذكرنا هذه الآية بأهمية الترابط والتكافل، وأن الإسلام دين الرحمة واليسر. وإن غاب البعض بأجسادهم، فإنهم حاضرون بأرواحهم ومشاعرهم. وكما أن الله جعل بيوت الأقارب مفتوحة للأكل، فإنه ينبغي أن تكون قلوب الأقارب أيضًا مفتوحة للمودة والعطاء، دون انتظار مقابل.

 

اللهم اجعلنا من أهل البرّ والتراحم، ووفقنا لنتدبر آياتك ونعمل بها، واجعل بيوتنا عامرة بالمودة والإحسان. اللهم حسِّن لنا الختام، واختم لنا برضوانك... آمين، اللهم آمين.

 

كل عام وأنتم وأسرُنا وأهلُنا وقيادتُنا وشعبُنا بألف خير.

-->
الحجر الصحفي في زمن الحوثي