هل يُعقَل مُحاكمة "11 فبراير" بِجرائم "21سبتمبر"؟!

موسى المقطري
الجمعة ، ١٠ فبراير ٢٠٢٣ الساعة ٠١:٢٨ مساءً

مع المرور العاطر لذكرى 11 فبراير المجيدة ثمة حديث قديم جديد عن علاقة ما نحن فيه اليوم بما حدث في العام 2011م والذي لم يكن مجرد حدثٍ عابر ، أو عواطف لا أفق لها، إنما كان تعبيراً صادقاً عن أمل اليمنيين بالغدِ الأفضلِ واستشرافهم للمستقبلِ الأجمل، فماذا حدث إذن؟ وكيف وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم؟! وبأي طريقة يمكننا تقييم الحدث بعد إثناعشر عاماً تداخلت فيها أحداث وعوامل محلية وأخرى إقليمية وثالثة دولية ، واختلط فيها على الكثير البحث عن حقائق الأحداث ونتائجها ، فيما كل قواعد المنطق تفرض على من يُصدر أحكاماً سبر أغوار الاحداث وإدراك تشابكاتها وكل ما يؤثر بها أو يتأثر منها ، والربط بينها بشكل عقلاني لاجزافي حتى بصل لنتائج سليمة وتعبر عن الواقع الحقيقي لاسواه .

أهم النتائج لثورة الشباب في العام 2011 كان إحداث تغيير سياسي سَلِسْ ، والتغيير السياسي في كل انحاء العالم سلوك إيجابي ينشِّط الحياة السياسية ويعيد لها ألقها ، والأهم في الأمر أن التغيير كان توافقياً بين كل القوى والمكونات الساسية الفاعلة في البلاد ، وبمشاركة وتعاون الاشقاء في مجلس التعاون الخليجي ومباركة ودعم المجتمع الدولي ، ولم تُفضي الثورة السلمية إلى أي مظهر من مظاهر العنف أو الفوضى أو الاقتتال ، ولم ينهب الثوار أي وزارة أو مؤسسة حكومية كانت أو خاصة ، وظلت المؤسسات الحكومية تمارس مهامها ، وبقى السلاح في مخازن الدولة ومعسكراتها ، والجميع يمارس عملا سياسياً بحتاً لامكان فيه إلا لقيم التعايش والتوافق والسلمية .

كانت الخطوات التي اتفق عليها الجميع اختيار رئيس توافقي وحكومة توافقية وسارت الخطوات بشكل سلس ومتدرج ، وتم تشكيل حكومة الوفاق الوطني وهي تمثل أهم حكومة في التاريخ اليمني السياسي المعاصر ، وفيها تواجدت كل الاحزاب والقوى السياسية والشباب والمرأة وكان من أولويات عملها تطبيع الحياة العامة ونزع أي فتيل للتوتر أو الخلاف ، وحشد قدرات الجميع للحفاظ على امكانات ومقدرات البلد ، ونجحت الحكومة في معالجة التأثيرات الاقتصادية التي طرأت وعلى راسها استعادة العملة المحلية لبعض قواتها وهو مالم يحدث في تاريخنا الحديث إلا في عهد حكومة الوفاق الوطني .

كانت البلد في غضون أقل من عام قد وصلت ألى برِ الأمان وعادت الحياة العامة لطبيعتها، ولم يتم تسجيل حالة انهيار لأي منشأة اقتصادية واحدة ، ولم تُغلِق البنوك ولا الأسواق ولا المحلات التجارية أبوابها خوفاً من أي عمليات نهب أو سلب أو فوضى أو تدمير ، وظلت مؤسسات الدولة الامنية والعسكرية والمدنية تمارس مهامها بشكل طبيعي ، ولم تُغلق الطرقات العامة سواء بين المدن أو في اطار المدينة والمحافظة الواحدة ، ثم كان الحدث الأجمل والأبرز والذي تمثل في مؤتمر الحوار الوطني الذي التقى فيه ممثلين عن جميع جهات وفئات الوطن على طاولة واحدة ليخرج الجميع برؤية مشتركة كان من شان تطبيقها أن تصل بالوطن إلى وضع أكثر استقراراً وعطاءً وتعايشاً.

استمرت البلد في حالة هدوء وتفائل حتى حدث مالم يكن بالحسبان يوم 21 سبتمبر 2014م وهو الانقلاب المشئوم الذي وفيه أنكر الانقلابيون كل الاتفاقات والتوافقات وكانوا جزء منها للاسف ، وبدأ تطبيق سيناريو أخر  لا ينتمي الى التغيير السلمي الفبرايري ولايشبهه ، وانتفش الانقلابيون ينهبون المؤسسات المدنية والعسكرية والخاصة واسقطوا كل مقومات الدولة ، ثم فتحوا السجون والمعتقلات لمخالفيهم وتوزعوا في البلاد ناشرين القتل والنهب والتدمير والفوضى مهددين أمن وسلامة الاشقاء فكانت الحرب وتدخل التحالف العربي وتغير المشهد تماماً ليصبح اكثر قتامة ودموية ، ولازالت البلاد حتى اليوم وبعد مرور تسع سنوات غارقة في سوءِ اعمالهم  ولازال اليمنيون يعانون شرّ ذلك اليوم الاسود الذي لم يجدوا بعده فرحاً ولاسرورا .

منذ تسع عجاف ونحن نعاني نتائج انقلاب 21سبتمبر وكل الجرائم والانتهاكات وشلالات الدم التي تفت عضد اليمن واليمنيين منذ ذلك اليوم يتحمل الانقلابيون مسؤليتها القانونية والأخلاقية بشكل كامل ، ولا يقبل العقل ولا المنطق نسب هذه الجرائم والانتهاكات لغيرهم ، ومن يدعي زوراً وبهتاناً أن ثورة 11فبراير هي المسؤلة فهو كمن يريد إقناعك بأن الشمس تشرق ليلاً ، أو المطر ينبع من الأرض وأنت ترى وتلمس وتعايش هذه الحقائق بنفسك ، ولم يخبرك عنها أحد .

ونحن نعيش ذكرى ثورة فبراير لن نقبل بأن يتم تحميلها ما لم تفعل ، ولن نسمح لأحد أن يلغي عقولنا التي تميّز الحقائق عن الإدعاءات ، فنحن عشنا كل فصول الأحداث بأنفسنا ، ولاحاجة لنا لمن يرويها كما يريد هو ، ومن يختلف مع ثوار فبراير أو طريقتهم فذاك حقه ولا مراء فيه ، إنما العيب والعتب على من يحاول حرف الأحداث فيحاكم "11 فبراير" بِجرائم٠ "21سبتمبر" وهذا لايُعقَل ولا تقبله أي من قواعد المنطق السوي والتفكير السليم .

دمتم سالمين .

-->
الحجر الصحفي في زمن الحوثي