جزء من المعضلة اليمنية

د. محمد أبو أحمد
الجمعة ، ٠٨ ديسمبر ٢٠٢٣ الساعة ٠٥:٥٦ صباحاً

 

أغرق الناس كُتَّاباً أكاديميين وصحفيين في الكتابة حول ما يجري في اليمن بصوره المختلفة حرب شتات واقتيات واستغلال، تبعية وانتقام، جهوية عرقية، وطنية ونضال،  كلها نتائج لمعضلات معقدة ظلت تحرث في المجتمع زرعاً وحصاد، عانى الشعب اليمني ولا زال  ويعاني منها منذ قرون، وتم تجاهل أو تغافل المعضلات الحقيقة الكامنة تحت الرماد.

 لنتحدث عن جزء واحد من مسلسل طويييل لتلك المعضلات ألا وهي أسباب تنكب الثورة اليمنية الأم وعدم تحقق أهدافها، وسيرها في فضاء خارج طموحات الشعب الذي ضحى بالنفس والمال والروح ولم يبخل بشئ،  كي ينعم بنتائج الثورة وإسدال الستار على حقبة زمنية كان الجحيم والبؤس والجهل أهم مكونات الحياة فيها ولهم فيها السيادة والقول الفصل.. 

كمحاكاة حقيقية لحال كل ثورات الشعوب عبر التاريخ التي حققت أهدافها وأقفلت طرق العودة إلى ماضيها أياً كان ظلمها جورٌ أو عدل، نورٌ به تنعم أو ظلام فيه تتخبط..لم يعد الملك السنوسي إلى ليبيا ولم يعد الملك فاروق إلى مصر ولم يعد الاستعمار الفرنسي إلى تونس أو سوريا أو أشكال الحكم الماضية فيها، على خلاف ما جرى في اليمن..

قامت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر على يد نخبةٍ شابة لم يتلوث خيالها بفكرة الإمامة وحقها المكذوب في التسلط ولم يعيشوا لحظة رخاء أو تمرغ تحت أقدام العطايا ولم تُغرهم أو تستهويهم مكارمهم الكهنة إن كان لديهم مكارم..

خططوا ثم بحثوا عن الدواعم وانطلقوا حماسةً  كقذائف من فواهات المدافع قُتل أهم محركات الثورة الشهيد علي عبد المغني في أول أسبوع من أسابيعها غير أنها لم تتوقف، وتوافدت الحشود لرفدها كما أفاد المناضل علي عبدالله السلال من مناطق الرعية والمقهورين والمستضعفين والتحقت في الحرس الوطني ولولا تلك الهبة الثورية لسقطت الثورة في أول أسبوعٍ من انطلاقتها..

 قد يرى القارئ السطحي لتاريخ الثورة اليمنية تحدياً شمالها أن الحرب الأهلية التي انشطر فيها المجتمع اليمني إلى نصفين، النصف الاول آمن بالثورة كتغير جذري وشامل لكل ما سبقها وتطبيق نظام الحكم  المتمثل في شكل نظام الحكم فيها تسميتها وأهدافها، يتلوها النظام الإداري والاقتصادي والاجتماعي الشامل والأخذ بالنظام الأصلح لإدارة المجتمع وفقاً لقدارته واستيعابه لمجريات الحياة حينها والحكم للأصلح والأقدر والأنزه من عامة الشعب دون تمييز على أي أساس جهوي مناطقي، عرقي أو مذهبي.. 

اتجه النصف الآخر من المجتمع إلى استجرار الماضي واستبطان منهجية الحكم الإمامي وأحقيته في إرث تركة حكم الإمامة، يقوم على أساس من الحق المذهبي والمناطقي والاجتماعي المعمول به في سابق الأزمان " ثوروا ثم سلموها لنا كقبائل لنحكم ما لم لسنا معكم بل ضدكم حتى النهاية وكما جاء في أشهر زامل سياسي في تاريخ اليمن..

حيد الطيال أعلن ونادى كل شــــــامخ في اليمن  ما بانجمهــــر قط لو نفنى من الدنيـــــــــــا خلاص  لو يرجع أمس اليوم ولا الشمس تشرق من عدن  والأرض تشعل نار وأمزان السمــــــاء تمطر رصاص تطبيقاً لذلك تطواف صالح عقب التحولات السياسية والثورية الأخيرة بين القُبُل وإحيائه لتلك المفاهيم البالية أن قفوا واسندوا وتساندوا حتى لا يخرج الحكم من أيديكم فإن خرج فلن يعود لكم أبدا، حتى بعد أن غادر السلطة ظل ينفخ في تلك الجراب حتى انفجرت جرفت أطراف الحكم من اليمنيين من كل اتجاه وأول ما بدأت بهدم منازل وقباب وزوايا أصحاب ذلك المعتقد..

وبرغم كل ما جرى عبر السنين التسع العجاف وبرغم كل الأخاديد العميقة التي قطعت أوصال اليمن إلا أن البعض لا زال في غيه القديم ينام على أنغام تلك الفاهيم ويصحوا عليها، كفراً بواح بحق الآخر في تولي الوظيفة العامة والحكم وفقاً لمعايير الوظيفة العامة المعروفة، دون سواها والحق في ذلك للأصلح والأقدر والأنزه في خدمة اليمنيين بمفهوم أن الوظيفة هي عقد اجتماعي بين الشعب والموظف لخدمته وتلبية رغباته وتحقيق أصول النظام العام بفروعه الأربعة الحق في الأمن العام، والصحة العامة، والسكينة العامة، والأخلاق والآداب العامة..

لم يجن المجتمع تحديداً المجتمع الذي جُرَ إلى المعمعة عنوة من الحرب برمتها إلا الجهل والفوضى وغياب معنى الدولة وسحق الحقوق العامة للكل دون استثناء، لم يعد يجدي العض على الاصابع بعد أن وصلت الأحداث إلى طريقها المسدود، وبعد أن ذاب الثلج وبان المرج وطفت على السطح أهداف كل الأطراف التي كانت في مجملها  تسعى باسم اليمن لتحقيق أهدافها بعيداً عن اليمن التي لم تكن كأمة تاريخ جغرافيا مجتمع ثورة أمن اقتصاد ومنجزات في حسابات الجميع عدا النزر اليسير ممن أخلصوا والذين لم يجدوا لهم جراء الطوفان مكان ولا قلوب تصغي أو آذانٌ تسمع..

 

تكراراً للنكبات الغربية المستدامة صب كل ذلك العبث في دوليب الإمامة الراجعة وحليفها الصفوي الفارسي الطامح إلى عودة مملكة الصحاري والبحار والسيطرة على مقدرات وحقوق اليمني والعربي في الجزيرة من البحر إلى البحر ومن الخليج إلى عمق الصحاري والقفار..

الحجر الصحفي في زمن الحوثي