يُعالج "الحوثي" بالصدمة؟!

د. علي العسلي
الاربعاء ، ١٩ يوليو ٢٠٢٣ الساعة ٠٩:٣٥ مساءً

لقد عالجت كثير من الدول مشكلاتها الاقتصادية والنقدية والتي كانت أسوأ  بكثير من الحاصل في اليمن.. عالجتها عن طريق الصدمة الحاسمة..  في بلادنا يعالج الحوثي  الأوضاع المأساوية بمزيد منها بمناسبات عدّة في احتفالاتهم باللطمة، فيصدمون المواطنين بإجبارهم على دفع إتاوات ورسوم من أجل  اللطمة أو ما شابه.. ولقد تعرض مجتمعنا للطمات وصدمات متتالية أعلاها الانقلاب وأدناها مسلكيات الخارجين عن القانون المستهترين بأدمية الإنسان  وكرامته.. وتخلّلها صدمات مالية ونقدية، بقيت الصدمات وأثارها المدّمرة على الانسان اليمني، ولم يُرى للعلاج شفاءً، إن كان التوصيف دقيقا في أن العلاج بالصدمات نافع!    وللتشخيص  فإن الاقتصاد في اليمن قد تدهور أكثر بارتكاب الحوثي لجريمة اتباع نظام مصرفي خاص به،  اي انفصاله عن النظام المصرفي الرسمي، بعد أن شنّ حربه القذرة على كل مناطق اليمن وقتل فيها من قتل، وشرد منها من شرّد، واعتقل المئات في سجونه الخاصة،  واعتقل أغلبية الشعب في الجغرافيا المغتصبة لديه،  تولّد عن ذلك مشاكل وصدمات  اقتصادية بفرعيه؛ الاقتصاد الكلي ( العجز  في السيولة النقدية وارتفاع التضخم  وانخفاض قيمة العملة وحدوث البطالة وتعطل الانتاج، وتوقف الصادرات وزيادة الواردات )، وفي الاقتصاد الجزئي، حدثت معاناة جمّة،  وانتكاسة كبرى  فيه( حيث أصابت مباشرة الأسر التي تسعى جاهدةً لتوفير لقمة العيش لأبنائها، والذين يكافحون للبقاء على قيد الحياة في زمن الحرب اللعينة على رؤوس اليمنيين، فتوقف دفع الرواتب، وهي وربي انها جريمة العصر في اليمن)..   إن اليمنين يعيشون حالة طوارئ غذائية مستمرة منذ تسع سنوات.. فلقد تأثر اليمنيون من استخدام  الاقتصاد في الحرب أكثر من الحرب العسكرية المفتوحة منذ انطلاقها في اليمن(إذ لو وجدت احصائيات دقيقة،  لتبيّن أن أعداد الشهداء نتيجة للحرب الاقتصادية يفوق  بكثير  الشهداء  الذين قضوا نحبهم في جبهات القتال، وأن المصابين بسوء التغذية والمجاعة  أكثر بكثير من الجرحى والمعاقين من المعارك وحتى من الالغام المزروعة من قبل وحوش العصر "آيات" ايران و "صبية" الحوثيين..  ولقد أظهرت بعض التقارير  أن  النسبة المحتاجة للتغذية والمساعدات  الغذائية تفوق الــ ٨٠٪ من الشعب اليمني، إذ أن استخدام الاقتصاد في الحرب  قد أثر بصورة أعمق على عموم الشعب، على مستوى معيشته وصحته وخدماته الضرورية!  والعلاج بالصدمة يعني الإفراج المفاجئ عن ضوابط الأسعار والعملة، وخفض الانفاق الاجتماعي، والتحرير الفوري للتجارة  داخل البلد، وعادة ما يشمل أيضًا الخصخصة على نطاق واسع للأصول المملوكة ملكية عامة.. وكل هذا تقريباً استعمل في اليمن، نتيجة لكارثة الانقلاب، فالحرب العسكرية، فالحرب الاقتصادية، وكلها أضرت بالمواطن العادي، واستفاد منها قلة قليلة هم أمراء الحرب، وتجار الحروب وصانعي الكوارث.. 

ولذا أقترح أن يُعالج الحوثي بالصدمة(فتجفف موارده لا أن تزاد )، و ليس الاقتصاد وبالتالي يتأثر المواطن!؛أما كيف؟  سأعرضها بعد عرض مثالين على الأقل  للتعافي، لدولتين شهيرتين(شيلي وبوليفيا) عولجتا بالصدمة  .. وفيهما كان التدهور أضعاف مضاعفة عمّا هو حاصل في اليمن،  يعني أن اليمن بإمكانه تجاوز مشكلاته لو توفرت الارادة السياسية و الاقتصادية.. فانظروا  معي إلى  الإصلاحات النيوليبرالية لشيلي في عام 1975، وأيضا على حالة بوليفيا1983.. فتجربة تشيلي 1975 بعد صدمة  الانقلاب العنيف ، كما كانت البلاد أيضًا مصدومة بالتضخم الهائل.. فتمّ فرض تحول اقتصادي سريع الطلقات( خفض الضرائب، تحرير التجارة، خصخصة الخدمات، خفض الإنفاق الاجتماعي، وتحرير الاقتصاد من الرقابة). كان هذا هو التحول على المدى القصير ضاراً، لكن على المدي الطويل حصدت الثمار، فبلغ  معدل النمو السنوي للفرد في تشيلي  5 في المائة، أي أعلى بكثير من بقية امريكا اللاتينية. أما حالة بوليفيا 1983؛ حيث كانت بوليفيا تعانى من أعراض اقتصادية مختلفة، لأزمات هيكلية كثيرة، ضاعف من حدتها أزمة الديون الخارجية. فدخلت في موجات عنيفة من التضخم الجامح، ففي عام واحد فقط ارتفعت أسعار الصرف بأكثر من ثلاثين ضعف.. أترون كيف وصلت الدولتان، وعولجت مشكلاتهما الاقتصادية والنقدية ، فنجحت بوليفيا في معالجة التضخم المفرط  في عام 1985، باستخدام أفكار ساكس، الذي استشهد  بألمانيا كمصدر إلهام، حيث تم  سحب ضوابط الأسعار والدعم الحكومي خلال فترة قصيرة جدًا..   أختم بكيفية علاج الحوثي بالصدمة؟ حالياً هو الحوثي من يبادر بإجراءات، فتشكل للشرعية صدمة؛ كعدم سماح الطبعة النقدية  بالتداول، ومنع بيع الغاز المأربي واستبداله بالإيراني،  واجراءاته ضد الصيارفة والبنوك، وانذاره للتجار بأن عليهم أن يتحولوا الى ميناء الحديدة بدل ميناء عدن، وتهديده  للموانئ ومنعها من التصدير، وحصاره للمدن، ولمنعه حرية تنقل السلع والافراد إلا  بإتاوات وجمارك اضافية  .. كل هذا يجعلنا نطالب بإلحاح  أن تتحول الشرعية لتعالج الحوثي بصدمة حاسمة بقرارات جريئة ولمرّة واحدة،  ومنها؛  اتخاذ اجراء معينة يمنع انفصال السياسة النقدية بين المناطق اليمنية، منع سيطرة الحوثي على المركز المصرفي والتجاري، الغاء وبشكل سريع وحاسم المركزية لصنعاء في كل شيء _حتى في تجارة الجملة هناك، تصل السلع  اليها ثم يعاد تصديرها وتدويرها  لمناطق وصولها_، وهكذا في البنوك، الوزارات،  الجامعات، الهيئات والمؤسسات، ووكالات الحج والعمرة... الخ،  توقيف التدفقات الوافدة من تحويلات المغتربين والمعونات الخارجية التي تُنفَّذ من خلال النظام المصرفي الرسمي في الشرعية، توقيف وصول السفن لموانئ الحديدة وحركة الطيران من مطار صنعاء حتى يرضخ الحوثي أو تقوم ضده انتفاضة هناك! مطلوب يا شرعية.. استعادة المؤسسات العامة لا خصخصتها للحوثي.. مطلوبة هي وإيراداتها أن تورد لخزينة البنك المركزي  (الأمثلة.. كثيرة..؛ الطيران، النقل، البنوك، الاتصالات، الضرائب، الجمارك، وكل المؤسسات الإيرادية والانتاجية والخدماتية).. مطلوب كل ما سبق.   لا أن تبقى مؤسسات الشرعية كجابي فقط لمصلحة الحوثي،  فبالتأكيد والحالة هذه سيزداد الوضع سوءًا وتدهوراً.. إن اتخاذ حزمة من الصدمات ستجعل الحوثي يستيقظ ويعرف أن الله حق والاقتصاد له قوانينه ووسائله  بشقيه الكلي والجزئي ويحتاج لسياسات تضبط الاختلال الهيكلي بين الانتاج والاستهلاك، بين الصادرات والواردات، بين  العرض الكلي والطلب الكلي.. ومطلوب  يا الفريق الاقتصادي المنبثق  من اعلان الرئيس هادي لنقل السلطة، مطلوب منك  في ظل الأوضاع الحالية  المتدهورة أن تتحرك وتجتمع وتعقد ورش وندوات ومؤتمرات لمعالجة الاختلالات الاقتصادية  والنقدية.. ومطلوب منك يا رئيسنا أن تمارس صلاحياتك الحصرية فتصدر قرارات باستيعاب الكفاءات  المعطلة في شتى الأرض، تستوعبها في هيئة التشاور وفي تطعيم  الفريق الاقتصادي لتحريكه وهو المعطّل حالياً.. فهذا من صلاحيتك وحدك بموجب اعلان نقل السلطة..  والسلام ختام.. وعام هجري جديد مليء بالإنجازات على المستوى الشخصي والوطني.. ودمتم..

الحجر الصحفي في زمن الحوثي