توظيف انتخابي من ترامب، واستثمار دعائي من الحوثيين، وتسرّع رسمي قد يربك خطاب الشرعية.
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يُظهر ضربة جوية يُعتقد أنها استهدفت تجمعًا حوثيًا. ورغم أن الفيديو بدا مثيرًا للانتباه، إلا أن غيابه عن سياق زمني ومكاني واضح جعله مادة غامضة استُخدمت بشكل واسع في الحملات الإعلامية، سواء من قبل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أو من قبل جماعة الحوثي.
الفيديو، الذي التُقط بكاميرا حرارية، يُظهر استهداف مجموعة تبدو ثابتة في منطقة مفتوحة، إلا أن عدم وجود أي بيانات فنية (Metadata) – مثل الإحداثيات أو التوقيت – يجعله عرضة للتشكيك والتأويل. هذا الغموض جعله أرضية خصبة لتوظيفه سياسيًا وإعلاميًا من عدة أطراف، كلٌّ بحسب أهدافه وسرديته.
ترامب.. استعراض قوة دون مسؤولية
من جانب ترامب، أعيد نشر الفيديو على حسابه في منصة "تروث سوشيال" دون أي إسناد أو تأكيد رسمي من وزارة الدفاع الأمريكية. هذا النشر غير الموثق يمكن اعتباره جزءًا من حملة انتخابية ذكية، إذ يعزز صورته كقائد قوي قادر على اتخاذ قرارات حاسمة، دون أن يُحمّل نفسه أي مسؤولية قانونية أو سياسية، مستفيدًا من الغموض لتجنّب أي تبعات مستقبلية.
الحوثيون.. إعادة تدوير الغموض لرواية الضحية
أما الحوثيون، فقد سارعوا إلى استثمار الغموض المصاحب للفيديو، عبر التشكيك في صحته أو الادعاء بأنه استهدف مدنيين. هذه الاستراتيجية تعزز من رواية "العدوان الخارجي" التي تحرص الجماعة على إبرازها بشكل مستمر لتكريس مظلوميتها، سواء في الداخل أو أمام الرأي العام الخارجي. فهي بذلك تكسب دعمًا شعبيًا وتغذي سردية الضحية في مواجهة القوى الكبرى.
الإعلام الرسمي.. بين التعجّل وغياب التنسيق
ما يثير القلق أن بعض الأصوات الإعلامية الرسمية سعت إلى تأكيد أن الضربة أمريكية، دون أن يكون هناك تحقق أو استناد إلى مصادر عسكرية موثوقة. مثل هذا التسرع قد يُضعف من مصداقية الخطاب الإعلامي للشرعية، ويعكس غياب التنسيق أو سياسة الاتصال المدروسة. وفي زمن تُخاض فيه الحروب عبر المقاطع والرموز، يصبح الحذر الإعلامي ضرورة لا ترفًا.
دعوة للصحفيين والناشطين في صف الشرعية
في هذا السياق، فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تقع على عاتق الصحفيين والنشطاء والسياسيين الداعمين للشرعية. فالتعامل مع مثل هذه المواد الإعلامية يتطلب تحققًا دقيقًا، وعدم الانجرار خلف السرديات غير المؤكدة أو تبنيها من باب الإثارة أو الحماسة. إن كل منشور غير مدروس قد يُعاد توظيفه لاحقًا بشكل يُضر بالقضية الوطنية.
ختامًا يُظهر هذا الحادث مجددًا أهمية بناء خطاب إعلامي شرعي موثوق، يعتمد على مصادر رسمية وتحليل واقعي مدروس. في معارك كهذه، لا يكفي أن تكون على حق، بل يجب أن تتحدث بطريقة ذكية، محسوبة، وتخاطب الداخل والخارج بلغة مهنية تليق بعدالة قضيتك.
-->