هل سيتعضون أم أن المرض مستعصيفي في مقابلة له مع الرئيس علي عبدالله صالح يذكر الأستاذ علي الصراري أنه بعد احتجازه في الأمن السياسي لمدة أسبوع على إثر أرائه المعارضة لحكمه أخذه عبدالرزاق الصرمي وكيل الجهاز حينها إلى الرئيس بحسب الصراري وصل بعد مقيل واسع، المكان خالي من الناس استقبلني الرجل بكيلٍ من الشتائم منها أنني طائفي رد عليه ألأنني من تعز قال صالح لااااا أنا لا أقصد قال له بل تقصد تعز في نظركم طائفيين والحجريين قرويين والجنوبيين انفصاليين ولم يتبقى إلا مجموعة من النواحي حولكم وطنيون..
الشاهد أن رد صالح أنه لم يقصد لحساسية الكلمة المفرطة ولما لها من جرح غائر لدى شريحة واسعة كان لهم الدور الأبرز في شرف الدفاع عن الثورة والانتصار للجمهورية بعد أن فرت الدولة وغادرت كبار الرتب العسكرية صنعاء عقب الحصار تركتها للشباب الدم الثوري الصافي للاستماتة حولها..
النعرة التي أثَّرت على مسار الثورة وامتدت لا حقًا إلى صفوف الجيش والوظيفة العامة واستمرت طويلاً وفي شهادة للتاريخ قال اللواء خصرف بأن بناء جيش ما قبل الانقلاب على السلال وتولي الإرياني الرئاسة كان بناء وطنيًا من كل أنحاء البلاد بيد أنه عقب تولي الإرياني تم توزيع الجيش على أساس مناطقي..
ألوية المظلات والصاعقة لأصحاب تعز والمجد لأصحاب حجة والعاصفة لأصحاب خولان والمدفعية لحاشد وهمدان حتى انفجر الصراع بين رفقاء السلاح في أغسطس 68م والذي كان في مجمله كان سياسيًا حزبيًا بين البعث واليسار وبين الهاربين من المعركة والصامدين فيها وضفت الطائفية لحشد الناس أثناءها وأطلقت كشعار لتصفية كل من شارك في الثورة من خارج الهضبة، وتطييف الجيش وبناءه على أساس مناطقي جهوي..
وهنا زرعت بذور الصراعات المتعاقبة التي يجني ثمارها الشعب اليمني اليوم..
لوحق ضباط وأفراد وحدات عسكرية بعينها، حُرم أبناء المناطق المتهمة بالتحزب من الالتحاق بالكليات العسكري والانضمام إلى صفوف الجيش، ذهب ضباط وأفراد الوحدات المنهزمة على إثر أحداث أغسطس إلى المعارضة كانوا هم نواة تأسيس ما سمي بالجبهة الوطنية الديموقراطية لإسقاط نظام صنعاء في مطلع سبعينات القرن الماضي، بدعم من المعسكر الشرقي، أشعلت الحروب في المناطق الوسطى إب شرعب العدين وصاب ريمة البيضاء حتى وصلت إلى تخوم العاصمة صنعاء..
كانت تلك الأحداث أول نتائج تطييف الجيش المتوحش وبناءه جهويًا وتسريح وملاحقة فصيل عسكري واسع احترف القتال وتشبع بشرف العسكرية ومضامين الثورة والجمهورية، رافقته أحدات حروب شمالية جنوبية آخرها حرب 1979م تلقى الجيش الملفلف فيها هزائم قاسية من قبل قوات اليمن الجنوبي الموحدة كادت أن تُسقط نظام الشمال لولا تدخل الرئيس صدام حسين والرئيس حافظ الأسد لصالح صنعاء وتهديدهما بالتدخل عسكريًا وكذا منع الاتحاد السوفيتي دخول أسلحته إلى أراضي الشمال توقفت الحرب وأُنقذ نظام صنعاء من السقوط..
العرض هنا لمصيبة إجهاض الجيش كمؤسسة وطنية مهمة وإفراغها من أهدافها مهامها ومضامينها، ليس لتغليب طرف على طرف أو الانحياز لأيٍ منهما لأن الكل يتجرع مرارة تلك المصيبة حتى الساعة، بل لأنه وفي الوقت الذي حُرمَ الآخرون من الالتحاق بها أي المؤسسة العسكرية غُذيت بعناصر إمامية ليس لها دراية بمعنى الثورة والجمهورية وسلالية تحمل الحقد على الجميع وتريد فقط استخدام التحاقها بالجيش الذي تكره كجسر يعبرون عليه لتحقيق هدف عودتهم إلى الحكم وإزهاق الأرواح وحرق الحرث والنسل..
بل انتشرت العناصر السلالية في مفاصل إدارات القوات المسلحة والأمن وحاربت الثوار وأبناءهم في معاشاتهم ومخصصاتهم ودفعت بأبنائها للدراسة في الداخل وابتعاثهم عبر المنح العسكرية المقدمة في الخارج وكان يستحيل أن تجد كشفًا يقدم للابتعاث مدني أو عسكري دون كوته تخصص لأبناء السلالة بل أسماءهم وألقابهم كانت هي التي تمرر معاملاتهم بنعومة هادئة وتسوق ملفاتهم عبر اللوبي السلالي دون الحاجة إلى متابعة صاحب المنحة كباقي أبناء اليمن..
وبذات المنهجية بنيَّ الحرس الجمهوري ولو استقبل على صالح من أمره ما استدبر لبناه بناءً وطنيًا وأسس له وجند من كل أنحاء الوطن، وحمى نفسه والجمهورية والدولة وآل الأمر إلى أبناء الوطن أصحاب الحق وأهله..
المرض المستعصي والتغلب على رواسب الماضي بكل تشوهاته في غالبيته كان صعبًا للغاية، وتلك الحالة التي عانى منها الكثير اليوم ممن وقعوا ضحايا للحركة الحوثي ولزموا إما بيوتهم بعد التصفيق لها كقادة كبار وضباط من مختلف الرتب أو انحازوا للحركة فسقطوا قتلى في صفوفها دون ثمن أو تاريخٍ وطني يذكر..
السؤال هنا هل المعضلة التي كانت سبب الاحتراب والتشظي وانتشار الدم والوجع إلى كل بيت في اليمن ستنتهي إذا ما انتصرت الجمهورية على الإمامة والشعب على السلالية والجهوية؟ وسيستفيد الناس من دروس الماضي وعبره؟..
أم أن من هم في مأرب سيصل صنعاء ويحشد قبائله الحوثقبلية ويدَّعي حقه في الحكم دون سواه ومن هو في الساحل سيتسلق الجبال وبعد تمكنه سيعمل على استعادة إرث أضاعوه بأيديهم؟، وسيخونون دماء الشهداء من كل اليمن وسيعيدون مآسي أحداث أغسطس 68م وما تلتها ويعملون على إقصاء كل الجيوش والأطراف الوطنية التي بذلت غاليها والرخيص لاستعادة الدولة وحقن الدم والنظام الجمهوري العادل..ونعود للمثل القائل "وكأنك يا بو زيد ما غزيت..
-->