الرئيسية > جولة الفن > الأغاني التراثية اليمنية بين التجديد والحفاظ على هويتها

الأغاني التراثية اليمنية بين التجديد والحفاظ على هويتها

" class="main-news-image img

تتفرد الأغاني التراثية اليمنية القديمة بخصائص لا نجد مثيل لها في باقي الأغاني القديمة بالمحيط اليمني، وخاصة في دول الخليج، لما لها من إرث فني مائز تغذت منه أجيال متعاقبة، وأصبح مصدرا في الجزيرة العربية ، ووصل للعالمية في كثير من المناسبات.

ظهرت تجارب فنية متعددة وسط جيل من الفنانين الشباب في اليمن لتجديد الأغنية التراثية القديمة، بأساليب وطرق تتفاوت من فنان إلى آخر، البعض ذهب بعيدا وتقديمها بقوالب فنية حديثة، يرى البعض أنها افقدت الأغنية القديمة هويتها.

هذه التجارب لاقت استحسان البعض، بعكس آخرين لم يرق لهم تقديمها بتلك الطريقة، وهي في الحقيقية تجارب لابد لها أن تخرج للمتذوق للفن القديم حتى  تظهر الفوارق بين الأصالة والتجديد، بغية تصحيح مفهوم التجديد بأسلوب يحفظ الأغنية التراثية هويتها. 

أساليب التجديد 

تختلف الآراء التي يطرحها النقاد حول أسلوب تجديد الأغاني التراثية، البعض يرى هذا يعد انحدارا يفقد الأغنية القديمة رونقها وجمالها الفني الذي اعتاد على سماعه أجيال متعاقبة.

جمال حسن، كاتب وناقد فني، كان له قراءة أخرى لاسلوب تجديد جيل الفنانين الشباب للأغاني التراثية القديمة وقال لـ " يمن فريدم": "هو من ناحية تجريبية أمر جيد، اعادة الحان يمنية بأساليب عصرية، وعمليا يسعى الشباب للتعبير عن أنفسهم عبر هذا الموروث والاتكاء عليه في أساليب جديدة. واقصد هذا حق لهم، لكن هناك تفاوت في تجديد هذا التراث من ناحية المضمون، فكثير يذهب بعيدا عن الطابع اليمني والعربي، مثل تقليد أسلوب المطربين الاسرائيليين من جذور يمنية، وهذا يختلق صورة ملتبسة بأن هذا أسلوب يمني، بينما غناء يقترب من أساليب أخرى عربية او اجنبية، يكون محددا ومعروفا.

وركز جمال حسن على طريقة تجديد الأغاني القديمة وقال: " تجديد التراث موضوع متشعب، والسؤال كيف نجدده، وسبق لفنانين أن خاضوه، مثل أبوبكر ومحمد عبده، وآخرين. لدى محمد عبده تجربة جيدة في تجديد الأغاني الصنعانية، توظيف الوتريات بطريقة مناسبة، ادخال موسيقى، وهذا لم يتوفر العمل به في اليمن، في عدن قامت فرقة التراث بتقديم الحان تراثية مجددة".

ورأى جمال أن جيل الشباب لهم طريقة في التجديد تتناسب مع أساليبهم، وذكر في حديثه: " الشباب الآن يقدمون أغاني تراثية تتفق مع أسلوبهم. ولا بأس من توظيف ألحان التراث بمزيج من الأساليب الغربية، لكن هذا لا يمكن أن نعتبره احياء للتراث لأن الغناء اليمني بدرجة كبيرة متقوقع بالتراث، أعتقد من الناحية الموسيقية لا أرى أن هذا يساهم كثيرا في تطوير المضمون الموسيقي، لكنه يعيد أسلبة اللحن القديم بشكل عصري، وسيكون من الجيد أن يقدم الفنانون الشباب أعمال تنتمي إليهم، ويمكن إعادة تقديم ألحان من التراث بطابع جديد ومختلف".

تصرّف وضعف الرقابة

يرى البعض أن تجديد التراث اليمني ينقصه الكثير من العوامل وأهمها الإحساس بالأغنية عند أداءها، ولذا يتصرف الكثير من الفنانين الشباب بالحان الأغاني القديمة بطريقة تنم عدم إدراك وربما عدم الوعي بالقيمة الفنية والحضارية للإرث الفني اليمني القديم، ويتحول دور الفنان إلى دور مؤدي تلبية ذائقة فئة من الناس، وهو رأي بعض من متذوقي التراث القديم الذين.

وهنا يبرز الدور الرقابي للجهات ذات الاختصاص التي يحتم عليها الحفاظ على هوية إرث فني وتراثي قديم أصبح يغذي أوساط فنية خارج الحدود اليمنية.

وتعليقا على ذلك هناك رأيا مخالفا للدور الرقابي على تجديد الأغاني التراثية ،وهو رأي مؤسس ومدير البيت اليمني للموسيقى والفن، فؤاد الشرجبي، وقال في حديثه لـ " يمن فريدم" :" أنا ضد أي دور رقابي على المجالات الإبداعية ومنها الموسيقى والغناء، ودائما وأبدا لا يوجد إبداع إذا لم تصاحبه حرية، فالحرية هي البيئة الحاضنة للإبداع في كل المجالات، والتجديد في شكل الأغنية اليمنية يحتاج إلى تحرر من القيود الكلاسيكية، ولكن بوعي وعلم وتجربة ناضجة وإلمام بكافة تفاصيل الخصوصية اليمنية، هناك خلط بين الحفاظ على الأغنية اليمنية والحفاظ على هوية الأغنية اليمنية".

الشرجبي أشار إلى أن هناك بعض المفاهيم التي تستخدم في غير مكانها مثل( حماية الأغنية اليمنية،حفظ الأغنية اليمنية ،صون الأغنية اليمنية) ، واضعا تعريفا لتصحيح بعض تلك المفاهيم وقال: "الحماية تعني حماية ممارسة الغناء وحماية حقوق الملكية الفكرية وغيرها من الحمايات  القانونية من خلال الدولة أو النقابات الفنية وغيرها من الجهات المعنية والمختصة، والحفظ : هو حفظ الأغنية اليمنية كما هي دون زيادة أو نقصان وهنا يدخل دور التوثيق سواء بتوثيق أصل الأغنية أو إعادة غناها وتسجيلها بصورة مطابقة للأصل لغرض حفظها من الاندثار أو التشويه".

وأما الصون فقد عرّفه الشرجبي بـ: "الاستدامة من خلال تطوير الأغنية وتجديدها بما يتلائم ولغة العصر لضمان أستمرارها وإنتقالها من جيل إلى جيل مع الحفاظ على هويتها اليمنية بما تحمله من خصوصية وتفرد في الإيقاع أو المقام أو طرق واساليب الأداء التي يتميز بها الغناء اليمني بكافة ألوانه وأشكاله المتنوعة ".

تجديد أم تقليد

تعد مسألة التقليد والتجديد في التراث الفني القديم وارد، وتقييم نجاحها وفشلها قائم على الالتزام بالاصالة الراسخة التي تتمتع بها الاغنية التراثية وخاصة اليمنية، وهذا لا يمكن لاي جيل أن يتخطاه، وهذا يجعل الفنانين الشباب أمام اختبار حقيقي في ذائقتهم الفنية وشغفهم بالتراث، وهو ما يستدعي ضرورة احياء الألوان الغنائية القديمة بحيث تصبح فريدة تحمل قدر كبير من مظاهر التطور والابتكار الفني.

وقال أيضا مدير البيت اليمني للموسيقى والفن" فؤاد الشرجبي :" التجديد مهم جدا، ولولا التجديد ما عاشت أغانينا اليمنية مئات السنين ومنها على سبيل المثال أغاني رائد الأغنية اليافعية يحيى عمر الذي توفي قبل حوالي 350 عام، ومثلها الأغنية (الحضرمية والصنعانية، اللحجية ،التهامية ،البدوية، واللون التعزي) وكثير تم تناقله من جيل إلى جيل تتجدد معه الأغنية مع الحفاظ على الهوية، وأكبر مثال هو ما يسمى الأغنية العدنية التي ظهرت وانتشرت خلال منتصف القرن الماضي ، وهذا دليل على تطور الأغنية إلى شكل اكثر جمالا وتجديدا من حيث الكلمة واللحن الموسيقي واستخدام الآلات الموسيقية المختلفة وخروج من نمطية العود والايقاع".

الشرجبي تعمق في تفاصيل تجديد التراث القديم لجيل فني استطاع أن يحافظ على هوية التراث، وسرد في حديثه: " إذا رجعنا للخلف قليلا سنجد فيصل علوي جدد غناء القمندان، وعلي الآنسي جدد الغناء الشعبي الصنعاني، ويوب طارش جدد لون الغناء التعزي، وأحمد فتحي جدد في اللون الغنائي التهامي بشكل خاص والغناء اليمني بشكل عام ، وأحمد قاسم والمرشدي ومحمد سعدعبدالله شاركوا في خلق أغنية يمنية جديدة سميت بالأغنية العدنية، والعملاق أبو بكر سالم شيخ المجددين للأغنية الحضرمية طبعا من ذكرتهم اعلاه هو مثال وليس حصر ويصعب كتابة الجميع".

مواكبة الأغنية الحديثة

هناك من يتذوق التراث الفني القديم ولم ترق له طريقة التجديد بل ويهاجم من يجددها، ويعتبر ذلك ابتعاد عن جمالية التراث القديم ورونقه وسماته.

وتنتشر بين أوساط الفنانين الشباب حالة التقليد بأساليب وطرق يرونها مناسبة لاحياء الأغنية التراثية بحيث تصبح مواكبة وملائمة للأغاني الجديدة، وهذا بنظر الفنان طريقة تناسب العصر والأدوات وآلات الموسيقية الحديثة.

كان لنا في " يمن فريدم" حديث مطوّل مع الفنان خالد كريم أحد الفنانين الشباب البارزين على الساحة الفنية اليمنية، وكان له وجهة نظر مختلفة نوعا ما حول تجديد الأغاني التراثية القديمة.

وتحدث لـ " يمن فريدم" عن إعطاء الفنانين الشباب الأغنية التراثية حقها في التجديد، وقال إنه من المبكر الحديث عن مصطلح التجديد الأغاني التراثية، بل يمكن القول وضعه في قالب حديث، وقال:" ما نقدر نقول هذا تجديد ولكن هو وضع الأغنية التراثية في قالب موسيقي مختلف عن القالب الأصلي للأغنية، ولكن بطريقة حديثة تتوافق موسيقيا وايقاعيا مع الأغنية الأصلية".

يرى خالد في تجديد الأغاني التراثية أن يكون هناك ملامح ووضع خاص لكل أغنية في التجديد، وعرفه ذلك: " موضوع التجديد هو خلق لون جديد ينحدر من سلالة الأغنية التراثية، ولكن يكون له ملامحه الخاصة له وضعه الخاص وهويته الخاصة تكون أيضا لها صلة باللون التراثي الأصلي، ولكن بشكل حديث يعني مثلا أغنية جديدة من كلمات وألحان جديدة لكن بأسلوب مختلف شكل جديد هنا أقدر أقول إنه ممكن هذا يعتبر تجديد".

ويعتقد في نظرته لتجديد الألوان التراثية القديمة انها لا تحتاج لتجديد، بل تحتاج وضعها في قالب موسيقي مختلف مع الحفاظ على هويتها الخاصة وعلى لحنها، أي يكون اللحن مثلما هو ولا يتم تغييره، ويَعتبر تغييره مشكلة قد تضع الفنان تحت المحاسبة قانونا.

ركز خالد في حديثه على أهمية الالتزام بهوية الأغاني التراثية القديمة ويقول: " الالتزام باللحن شيء أساسي ومهم والكلمات ثم الإيقاع، والشكل الإيقاعي ممكن يتم وضع الأغنية في قالب ايقاعي وهذا ممكن نقول إنه شيء من محاولات الفنانين الشباب لخلق لون ونمط غنائي جديد".

وعن كيفية تسخير الأدوات الفنية الحديثة لتجديد الأغاني التراثية، سرد لنا خالد صعوبات وتحديات تواجه الفنانين الشباب وتحدث:" لا توجد عندنا الإمكانيات التقنية المتمثلة بالأستوديوهات والتوزيع الموسيقي، وكل هذه الأمور تحتاج للكثير من الأموال، واحنا كفنانين يمنيين لا يمكن توفير مثل هذه المبالغ بسهولة نحتاج لداعمين ومن يقدم لنا يد العون". 

تطرق الفنان خالد إلى موضوع النقد الجارح والسلبي وغياب التقدير للفنان في مسيرته الفنية وذكر في حديثه:" في ناس كثير ينتقدوا هذا الأمر، ولكن أنا اشوف انه يجب أن تثمن هذه الجهود سواء كان الشيء كويس أو مش كويس، المفروض أن يتم تثمين هذه الأمور، لأنه احنا لا توجد عندنا إمكانية، ولا يوجد عندنا الإمكانيات المالية والإمكانيات المعنوية هذا الشيء الذي نكتسبه من الناس من خلال تعليقاتهم وتثمين ما نقدمه، فهذا الشيء الوحيد اللي أحنا ما زلنا نمتلكه حتى الآن، وأتمنى انه ما يضيع مننا اللي هو الكلمة الطيبة أو الثناء أو تقدير ما نقوم به بالكلمة فقط" .

وفي ختام الحديث تمنى الفنان خالد من الجميع الانتقاد بشكل بنّاء وبعين محب وغير هدام يكون مليء بالمحبة والتقدير والاحترام لأن ما يقدمه الفنان ليس بسيطا، وهو رسالة مهمة جدا، والفن لغة الشعوب كلها بشكل عام، كما قال.

المصدر: يمن فريدم


الحجر الصحفي في زمن الحوثي